فخر الدين الرازي
64
القضاء والقدر
فهذا فرض علم بدلا عن علم آخر ، لا أنه ينقلب جهلا . فهذان الجوابان هما اللذان عليهما اعتماد المعتزلة . واللّه أعلم . والجواب : أما الوجوه التي استدلوا بها على أن علم اللّه بعدم الإيمان ، وإخباره عن عدم الإيمان : لا يمنع من وجود الإيمان . فالجواب عنها من وجهين : الأول : إن الدليل الذي ذكرناه في كونه مانعا منه وهو دليل تلك المقدمات : صحيح . أما التركيب فكيف يقدح ما ذكرتموه في صحته ؟ وبيانه : وهو أنا قلنا : إن العلم بعدم الإيمان ، لا يحصل إلا عند عدم الإيمان . فهذه مقدمة بديهية . لأن شرط العلم : أن يكون مطابقا للمعلوم . فالعلم بعدم الإيمان ، لا يكون علما ، إلا إذا كان مطابقا . ولا يكون إلا إذا حصل عدم الإيمان . فثبت : أن العلم بعدم الإيمان ، لا يحصل إلا عند عدم الإيمان . ثم نقول : لو حصل وجود الإيمان مع العلم بعدم الإيمان ، لزم اجتماع النقيضين ، وهذا كلام ، لا مجال للعقل في أن يتشكك فيه . وإذا كان الأمر كما ذكرنا ، لم تكن الوجوه التي ذكروها قادحة في صحة هذا الكلام البتة . والوجه الثاني : أن نجيب عن كل واحد من تلك الوجوه ، على التفصيل : أما السؤال الأول : وهو قوله : « يلزم أن لا يقدر اللّه تعالى على شيء أصلا » قلنا : لا نسلم . وذلك لأن اللّه تعالى إنما يعلم وقوع ذلك الممكن ، لو كان هو في نفسه واقعا . لأن العلم يتبع المعلوم ، ووقوع ذلك الممكن . لا بد وأن يكون لأجل مؤثر يؤثر فيه ، وهو القدرة والإرادة . فالعلم إنما تعلق بوقوعه ، لأنه علم أنه واقع بأتباع القدرة والإرادة . وإذا كان الأمر كذلك ، فكيف يعقل أن يقال : إن هذا العلم يغنيه عن القدرة والإرادة ؟ ومثاله : أن علمه تعالى ، لما تعلق بأن الجسم إنما تحرك لقيام معنى ، به يوجب المتحركية ، لم يكن هذا مغنيا لتلك المتحركية عن علتها . فكذا هاهنا . وأما السؤال الثاني : وهو قوله : « العلم يتعلق به ، كما هو في نفسه . وهو في نفسه من الممكنات » فجوابه : إن هذا مسلم . فإن العلم يتعلق به : أنه من حيث هو هو من الممكنات ، وأنه صار واجب الوقوع . لأن قدرة اللّه وإرادته تعلقتا بإيقاعه في الوقت الفلاني . وكون الشيء ممكنا بذاته ، لا ينافي كونه واجبا بغيره فالعلم تعلق بأنه ممكن لذاته ، واجب لغيره . وأما السؤال الثالث : وهو قوله : « ولو كان ذلك المعلوم ، واجب الوقوع ، لوجب أن لا يبقى للعبد قدرة على الفعل أصلا » . فجوابه : ما تقدم في البرهان الأول : أن ذلك الفعل ما صار واجب الوقوع بسبب العلم